بحث متقدم
خطوات تسجيل مشروع التخرج :: الجدول الزمني للتسجيل بالماجستير للعام الدراسي (2018/2019) :: تقويم الدراسة في ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية الدفعة الثالثة عشرة :: تقويم الدراسة في ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية للعامين الدراسيين (2017/2018) و (2018/2019) " الدفعة الثانية عشرة " :: إعلان لطلاب المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية المرسوم رقم /69/ تاريخ 23/2/2019 :: البرنامج الامتحاني لطلاب ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية الدفعة الثانية عشرة :: البرنامج الامتحاني لطلاب ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية " الدفعة الثالثة عشرة " :: البرنامج الامتحاني لطلاب ماجستير التأهيل والتخصص في العلوم السكانية (حماية الأسرة) للعام الدراسي (2018/2019) ::
كلمة عميد المعهد
كلمة عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية
أهمية وحيوية المسألة السكانية:
اليوم أكثر من أي وقت مضى يمكن القول انه لا مشكلة في سوريا تتقدم بالأولوية على المشكلة السكانية بكافة ابعادها.
بالطبع! إن المسألة السكانية اليوم تستحق أن تحظى بالأولوية قبل المشكلة الاقتصادية وقبل المشكلة الزراعية وقبل مشكلة التقنية، بل وحتى قبل المشكلة السياسة، فالآن يجب علينا أن نفكر بمنتهى التعمق والتريث في خفيات المسالة السكانية، فالبنية السكانية في بلدنا تعرضت لأهوال على كافة الجبهات والأصعدة ومرت بظروف هي أكثر من أن تعتبر مجرد تخلخل وتعرضت لكوارث أعنف من  الزلازل. إلى أن وصلت إلى هذا الموقف التراجيدي المنهار بنيويا ونفسانيا.

دور النخب والبحث العلمي
في ضوء هذه الحيثية تتجه الأنظار الى مراكز البحث العلمي وفي مقدمتها هذا المعهد العالي المحدود الإمكانية العظيم الأهمية، والذي يعتبر منبعا للدراسات والبحوث السكانية، والذي يضم كوكبة من المختصين ويقوم بإعداد دفعات الباحثين ليكونوا شريحة النخبة الرائدة في العمل والتنظيم والتخطيط السكاني.
إن شرائح المجتمع المختلفة تبحث عن بصيص أمل بوجود مخرج من المأزق والأزمة. والأجيال الناشئة تطرح استفهامات عن المستقبل لا أحد يستطيع تقديم الإجابات عليها، وجميع فئات المجتمع المتعبة من المعاناة المستمرة تنظر بعين الأمل إلى النخبة الفكرية لكي تخرجها من هذه الحفرة ولتضع القطار على السكة المستوية.
لكن، من يستطيع أن يفعل ذلك؟
فقبل أن تتمكن من إصلاح المجتمع يجب أنت أن تكون صالحا ومتمكنا من الإصلاح. وإن كنت تعتبر نفسك من أعضاء القيادة الفكرية الاجتماعية النهضوية الإيجابية فينبغي أن تضع نصب عينيك أنه مهما عانيت من الأمراض الموضعية او الدينية او الطبقية فإنك كمفكر وكقيادة فكرية اجتماعية لا يجوز أن تقوم بردة فعل معاكسة لتلك المسلكيات الغوغائية الوضيعة، التي يمارسها الأفراد أو الجماعات. إنك إن فعلت ذلك لن تكون سوى عنصر غوغاء مثلهم. فلا ينبغي أن تكون طرفا في أمثال هذه التجاذبات والتنازعات حتى لو كنت الأقوى. بل يجب ان تعمل على أن تكون طبيبا معالجا غابتك هي معالجة الحالة عموما وليس تحقيق النقاط على الخصم. أنت كنخبة فكرية لا يسمح لك بالانحدار إلى الأهداف الصغيرة والمسلكيات التعصبية، فكل فرد من عامة المجتمع ينظر اليك ويستشف منك المسلكية ويعتبرها سلوك القدوة. فالقدوة الصالحة ليس هو الشخص الذي ينظر الى الغوغاء الساذجة ويتصرف مثلها طمعا بنيل تأييدها ومرضاتها. لأن من يسلك سلوك الغوغاء ليس سوى واحد منهم بمرتبة "قائد غوغائي" ولا يكون قائدا تنمويا تطويريا تحديثيا. وبالتالي أقول: أننا لا نريد بعد اليوم مزيدا من النخب الاجتماعية أو القيادات الحزبية أو السياسية مهما كبر شأنها من تلك النوعية التي تطفوا على أكف الغوغاء والتي لا تعمل شيئا جيدا سوى أنها تلعب دور مضخم صوت لهيجان الغوغاء، لأن التغيير لن يحدث إذن أبدا عبر هذه المنهجية، وستبقى رؤوسنا ترتطم بنفس الحائط كلما عدنا للسير في نفس الطريق. بل نريد نخبا تأخذ بيد الغوغاء وتقودها إلى مسارات الوعي والارتقاء والتنمية والتعايش والإنسانية مخرجة أفكارها من قوقعة العقلية الغوغائية الجمعية.

نظرة تشخيصية إلى الواقع والأفق
مجتمعنا مدمر ونحن الذين ينبغي علينا أن نبنيه، لا أن نتبرأ منه. 
مجتمعنا مشتت ونحن الذين ينبغي علينا ان نرتقه، لا أن نتملص منه.
مجتمعنا متخلف ونحن الذين ينبغي علينا أن نرقيه، لا أن نهزأ به.
ونحن إذ نقف الآن على عتبة خطوات التعافي وأمام استهلالات تنفيذ مخططات إعادة البناء، فسنجد أنفسنا أثناء رصف كل لبنة نتوقف وتوسوس لنا النفوس بجملة من التساؤلات:
كيف يمكن أن نبني المنشآت بعد أن كان دمارها بأيدي من بنيت لأجلهم؟،
كيف يمكن أن نبني المساكن بعد أن تبين أنها تستخدم لأغراض غير الإسكان؟،
كيف يمكن أن نعيد بناء العلاقات الاجتماعية بعدما تكشفت السنوات الماضية عن خبايا الصدور؟
وعطفا على كل ذلك: ما فائدة البناء على جرف منهار، أو كيف يستطيع الناس العيش على سفح متهاو ينجرف بشكل دوري إلى الهاوية، أو كيف نأمن الاستقرار فوق قشرة جوفاء آيلة للسقوط، وكيف نقف على ركام مفخخ مكوناته متوثبة على نفسها متربصة ببعضها متقلقلة كأنها صلية مصيدة؟
لذلك، ينبغي الإعداد النفسي لتجاوز أزمة الإحباط بسيب هذه الهواجس، ولا بد من الإعداد لجملة الإجابات الشافية أو طرق الوقاية والأمان. فكم مرة يجوز أن نخضع لنفس التجربة ثم لا نستنتج أية خلاصة؟ وكم مرة نسير بنفس الدرب وترتطم رأسنا بنفس الأعواد.
وكم مرة ينبغي أن نتلقى الدرس ثم نرسب في الاختبار؟ وكم مرة ننجرف في السيل ولا نتقن الخروج من الدوامة.

إعادة بناء المجتمع السوري بعد الأزمة
حسنا... وإذا اتفقنا على أن أولى الأولويات هي المشكلة السكانية، فما هي أولى الخطوات وما هي طرق إعادة تماسك المجتمع، بل لا أحبذ استخدام تعبير "إعادة التماسك" لأن المجتمع لم يكن متماسكا أصلا، فلو كان متماسكا لما انهار بهذا الشكل المريع وبتلك الطريقة الكارثية. لذلك أعتبر أنه من الأفضل استخدام تعبير "إعادة بناء المجتمع"، وأن يكون ذلك بطريقة حديثة علمية شمولية استراتيجية نحو تحقيق نموذج جديد من العلاقات وأسس التعامل التي تضمن بنية متماسكة قابلة للتعايش والاستمرارية.
لا بد من أن ننطلق أولا من القناعة بأن مجتمعنا هو مجتمع إيجابي وأن معدنه جيد، ويستحق العلاء والصدارة. ويجب أن نمتلك الثقة بأنفسنا وأن نفهم ذلك جيدا كي نستطيع إقناع الغير. ويجب أن نقتنع بأن العوالق والرواسب النفسية التي يعاني منها مجتمعنا إنما هي عوارض، وفي أسوأ التقديرات هي أمراض صنعتها قيادات فكرية سلبية كانت تمتلك عقليات معوجة ولم تكن صالحة للقيادة، وللأسف فقد انسحبت أخلاقيات تلك القيادات على أخلاق وعقليه المجتمع البسيط فالأخلاق الفاسدة والنظريات المعوجة سهلة التشرب أما القيم العليا والأفكار المثلى فهي متعذرة المنال وصعبة النوال إلا لنخبة الرجال. وإن الفساد والبلادة يسهل استشراؤها، كما أن الشذوذ المادي والفكري يسهل انتشاره بسبب غلبة زخرف الدنيا وبسبب فوة الدينامو المنتج لها وبسبب نوعية الفيروسات الفكرية التي استخدمت لتفتيت المجتمع، وأخطر تلك الفيروسات التي نجحت في تحقيق وظائفها عندنا نذكر فيروس ضرب الثقة وفيروس إفساد المودة وفيروس الشك والبغضاء بين شرائح المجتمع.
يجب ان نعمل على ترقية النوعية الاجتماعية التي ينصبغ بها مجتمعنا. ونحن كقيادات فكرية لا يجوز لنا ان نشمت بالمجتمع المتعثر ونلومه، بل نحن علينا أن نشخص حالته ونحدد احتياجاته اللازمة لتحقيق التنمية والترقية والنهوض، وأن نمد له اليد لننهضه من الكبوة، وأن نرسم له المسارات ونضع له المحفزات ونحدد له الاتجاهات
ونضع له البرامج ونفتح له الافاق ونزين له الحياة.
عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية
الأستاذ الدكتور حيدر أحمد عباس